الأخبار:: الجمعة 9 تشرين اول 2026
لم تعد ساحات القتال مقتصرة على الجغرافيا والخنادق؛ بل امتدت لتشمل تضاريس أكثر تعقيداً، وتصل إلى «الوعي الإنساني». لكن اللافت في التجربة الإسرائيلية كان القرار بـ«عسكرة» هذه المهمة، وتحويل حرب الوعي إلى أداة قتالية تُدار من داخل المؤسسة العسكرية، وبعقلية الجنرالات.
بدأت القصة عام 2004، حين واجهت هيئة الأركان ثغرة استراتيجية. لم تكن المشكلة في نقص الأدوات، بل في تشتّتها الهيكلي. ورغم امتلاك الجيش وحدات متخصصة في الحرب النفسية والخداع والإعلام والاستخبارات، إلا أنها كانت تعمل كجزر معزولة. غاب عنها المايسترو العسكري؛ ولم يكن هناك مفهوم عملياتي موحد يدمج هذه الأدوات ضمن خطة قتالية شاملة.
كلّف رئيس شعبة العمليات، اللواء يسرائيل زيف، المقدم ساعر رابيه بالبحث عن حل. فشكّل فريقاً عسكرياً عمل لثمانية أشهر، راجع التجارب المحلية والدولية، باحثاً عن دمج «أنشطة التأثير» في التخطيط العسكري كأي سلاح تقليدي. وخلص الفريق إلى أن «حرب الوعي» يجب أن تُعامل كعملية عسكرية مكتملة، تشمل دراسة الجمهور كمسرح عمليات، وتحديد الأثر المطلوب، ثم تصميم حملة، وتوزيع الأدوار، وصولاً إلى قياس النتائج بدقة استخباراتية. ومن هذه المراجعة، وُلدت محاولة لبناء كيان في قلب الجيش يرى في وعي الخصم هدفاً يجب هندسته واختراقه.
«مالات»: جسر قيادي لضبط الإيقاع
اقترح الفريق إدارة يقودها عقيد، تربط بين شعبتي العمليات والاستخبارات. وبمباركة رئيس الأركان موشيه يعالون، ورئيس الاستخبارات أهارون زئيفي فركش، تأسس مطلع 2005 «مركز عمليات الوعي»، المعروف بـ«مالات». وأُسندت قيادته العملياتية إلى شعبة العمليات لضمان التحام التأثير بالخطط القتالية، فيما احتفظت الاستخبارات بصلاحيات «بناء القوة»، لتزويده بالمعلومات والقدرات التقنية. وقد صُمّم المركز لضبط إيقاع الأذرع المختلفة، بدءاً بفهم الجمهور، مروراً بتحديد الهدف وإطلاق الرسائل، وصولاً إلى قياس الأثر.
ضم المركز فروعاً لعمليات الوعي، واستخبارات الجمهور المستهدف، والكفاءات والبحث والتدريب، والتقنيات. ونُقل إليه فرع الحرب النفسية، ليجمع ضباط الاستخبارات والباحثين وعلماء العلوم السلوكية. لكن الفصل بين جمع المعلومات والتنفيذ أبطأ الاستجابة. لذلك، تأسست فروع ميدانية للساحات المختلفة تدمج العناصر الاستخبارية والعملياتية، فازدادت السرعة على حساب البناء الاستراتيجي. واصطدم المركز بمعضلة التوازن بين نداء الجبهات المشتعلة وتطوير العقيدة والتدريب.
في تقييم نشره «مركز دادو» العسكري عام 2022، أقر العقيد «غاي»، قائد إدارة التأثير، ورابيه، ببراعة «مالات» التكتيكية عام 2006، مقابل نتائج استراتيجية دون التطلعات. ومع تسلم غادي آيزنكوت شعبة العمليات وعاموس يدلين إدارة الاستخبارات العسكرية، نُقل المركز إلى «امان»، وبذلك تحوّل من طاولة تخطيط الحملات الكبرى إلى وحدة تكتيكية. كما تقلصت رتبة قائده إلى مقدم. ورغم ظهور بصماته في حروب غزة، 2008 و2012، لكن فاعليّته الاستراتيجية بقيت محدودة.
من «الوعي» إلى «التأثير»
عام 2012، في عهد بني غانتس، بدأت العودة إلى المركزية بتشكيل فريق لـ«الحرب الناعمة». وولدت لاحقاً «إدارة الوعي» تحت إدارة شعبة التخطيط، مركّزة هدفها على الشرعية الدولية. ثم عاد آيزنكوت، بصفته رئيساً للأركان، فأسند المهمة إلى شعبة العمليات. وأدرجت «استراتيجية الجيش الإسرائيلي» لعام 2015 جهد الوعي ضمن العقيدة الرسمية، بوصفه عملاً متواصلاً في السلم، وبين الحروب، وفي أثناء القتال الشامل. ولم تكن هذه العودة مجرد تبديل للافتات؛ بل أعادت طرح السؤال الذي انطلقت منه التجربة: كيف تتحول القدرات المتفرقة إلى جهد عسكري متكامل؟ فامتلاك الرسائل والمنصات والمعلومات لا يكفي. لأن المطلوب قيادة تصل بين معرفة الجمهور وتصمم الحملة وتنفيذها، وتمنع الإيقاع الميداني السريع من ابتلاع العمل الهادئ الذي تحتاجه العقيدة والقدرات والتدريب طويل الأمد.
في عهد أفيف كوخافي، تغير الاسم إلى «إدارة التأثير»، التي أُعلن رسمياً عام 2020 عن وجودها بقيادة عقيد. لكن مراجعات عملية «حارس الأسوار» عام 2021، كشفت خللاً في التنسيق وقياس النتائج. فقرر كوخافي مطلع 2022 تدشين «منظومة تأثير» شاملة، بميزانيات وقوات احتياط وتدريبات وتقنيات هجومية. واستُدعي رابيه، مهندس المركز الأول، ليكون مستشاراً للمنظومة، في محاولة لاستعادة الروح التي بُني عليها «مالات».
الفكرة التي انتصرت على فوضى التنظيم
اليوم، لا تُدار «حرب العقول» الإسرائيلية عبر جهاز واحد يحتكر المشهد، بل عبر شبكة عنكبوتية بالغة التعقيد، تضم المتحدث العسكري، ضباط الاستخبارات، السايبر، قادة القوات الجوية والبحرية والإدارة المدنية. أما التحدي الأكبر للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، والذي تُصارع لحله منذ عقدين، يتمثل في كيفية خلق «مايسترو» مركزي قادر على ضبط إيقاع هذه الأوركسترا الضخمة وتوجيه نيرانها نحو وعي الخصم، دون أن يلغي استقلالية العازفين.
تغيرت الأسماء واللافتات، من «فرع الحرب النفسية» إلى «مالات»، ومن «إدارة الوعي» إلى «منظومة التأثير». لكن الفكرة المركزية صمدت وترسخت كعقيدة، فالتأثير يتطلب تشريحاً استخباراتياً لجمهور الخصم، وتحديداً دقيقاً للهدف، ودمجاً للأدوات العسكرية والاقتصادية والنفسية وغيرها. وكلما شعرت القيادة الإسرائيلية أن هذه الآلة تفقد بوصلتها، سارعت إلى تفكيكها وإعادة تركيبها، مدفوعة بقاعدة أن السيطرة على العقول هي أقصر الطرق لحسم المعارك قبل بدايتها.